ابن الجوزي

449

كتاب ذم الهوى

الباب الثاني والأربعون في ذكر من حمله العشق على أن زنا بمحارمه أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزّاز ، قال : أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي ، عن أبيه ، قال : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سعيد النصيبي ، قال : حدثني أبو الحسن بن نجيح ، قال : حدثني رجل مستور كان لي صديقا ، وكان ينزل بقرب مقابر الخيزران ببغداد ، قال : رأيت ليلة في منامي كأني قد أطلعت من داري إلى المقبرة ، على رسمي في ذلك في اليقظة ، فإذا أنا بالقبور مفتّحة ، وأهلها يخرجون منها شعثا غبرا حفاة عراة ، فيجتمعون في موضع منها حتى لم يبق قبر إلا خرج من كان فيه ، ثم ضجّوا بالبكاء والدعاء والابتهال إلى اللّه تعالى في أن يصرف عنهم دفن المرأة التي تدفن عندهم في غد ، فكأني قد سألت بعضهم ، فقال : هذه امرأة من أهل النار ، وإن دفنت عندنا تأذّينا بسماع عذابها وما يجري عليها ؛ فنحن نسأل اللّه صرف دفنها عنا . قال : فانتبهت فعجبت من هذا عجبا شديدا ، وطال الليل بي ، فلما أصبحت سألت الحفّارين : هل حفروا قبرا لامرأة ؟ فدلّني بعضهم على قبة عظيمة لقوم من التجار مياسير ، قد ماتت زوجة أحدهم ، ويريد دفنها في القبر ، وقد حفر لها . قال : فقصصت الرؤيا على الحفّارين ، فطمّوا القبر في الحال . وراعيت أمر المرأة ؛ فجاء رسل القوم يسألون عن القبر ؛ فقال الحفارون : إن الموضع ليس يتأتى فيه قبر لأنا قد وقعنا على حمأة تحت الأرض لا يثبت فيها ميت ؛ فسألوا جماعة من أصحاب القباب أن يحفروا عندهم ؛ فأبوا عليهم ، وكان الخبر قد اشتهر بين الحفارين وانتشر ؛ فمضوا إلى مقبرة أخرى فحفروا للمرأة ؛ فاستدللت على الموضع الذي تخرج منه الجنازة ، فدللت فحضرت وشيّعت الجنازة ، وكان الجمع عظيما هائلا ، والرّجل جليلا ، ورأيت خلف الجنازة فتى ملتحيا حسن الوجه ، ذكر أنه ابن المرأة ، وهو يعزّى وأبوه ، وهما